محمد بن جرير الطبري
219
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أكل الرجل طعامَ أخيه قرًى [ على وجه ما أذن له ] ، ثم نُسخ ذلك ، ( 1 ) لنقل علماء الأمّة جميعًا وجُهًّالها : أن قرَى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ الله أهلها عليها وَندبهم إليها ، وأن الله لم يحرّم ذلك في عصر من العصور ، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه . وإذ كان ذلك كذلك ، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج ، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل . لأن النسخَ إنما يكون لمنسوخ ، ولم يثبت النهي عنه ، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة . وإذ كان ذلك كذلك ، صحّ القول الذي قلناه : من أنّ الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به ، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله أوْ على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - وشذّ ما خالفه . ( 2 ) واختلفت القراءة في قراءة قوله : " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " . فقرأها بعضهم : ( إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ) رفعًا ، بمعنى : إلا أن توجد تجارة ، أو : تقع تجارة ، عن تراض منكم ، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى . ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه : " ألا أن تكون " تامةً ههنا ، ( 3 ) لا حاجة بها إلى خَبر ، على ما وصفت . وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة . * * * وقرأ ذلك آخرون ، وهم عامة قراءة الكوفيين : ( إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ) ، نصبًا ، بمعنى : إلا أن تكونَ الأموال التي تأكلونها بينكم ، تجارةً عن تراض
--> ( 1 ) هذه العبارة التي بين القوسين ، محرفة لا شك في تحريفها ، ولم أجد لها وجهًا أرتضيه ، فوضعتها بين القوسين ، ولو أسقطها مسقط من الكلام لاستقام على صحة . ( 2 ) قوله : " وشذ ما خالفه " معطوف على قوله : " صح القول الذي قلناه " . ( 3 ) في المطبوعة : " . . . على هذا الوجه أن تكون تامة . . . " ، ورددتها إلى ما كان في المخطوطة ، فهي صحيحة في سياقه .